المنطلقات الجهادية لمواجهة الاستعمار في موريتانيا الدكتور اعل ولد محجوب

المنطلقات الجهادية لمواجهة الاستعمار في موريتانيا الدكتور اعل ولد محجوب

اعلي ولد المحجوب عضو المكتب التنفيذي للرابطة الوطنية لتخليد بطولات المقاومة

الهدف من هذا الموضوع هو اظهار كيف واجه الموريتانيين الاستعمار الفرنسي وفقا لحالهم وواقعهم اذ ذاك، وكيف شكل الجهاد ودفع العدو و الذود عن البلد بالمال والنفس ركنا أصيلا من تاريخ هذا الشعب وثقافته الإسلامية الاصيلة.

تعريف الجهاد والمقاومة
الجهاد: لغة: مصدر جاهد يجاهد جهادًا، وحقيقته: بذل الجهد للوصول إلى المطلوب، وفي الشرع يأتي على وجهين: عام وخاص، فالعام هو بذل الوسع في دفع كل ما يدعو إلى مخالفة هدى الله من الكفر والمعاصي؛ فيشمل جهاد النفس والهوى والشيطان، ويدخل فيه: رد الشبهات المعارضة لخبر الله، ودفع الشهوات المعارضة لأمر الله، وجهاد الكفار والمنافقين بالحجج والبينات.
وأما الجهاد بالمعنى الخاص: فهو بذل الجهد في قتال الكفار من المشركين وأهل الكتاب.
، اما المقاومة فهي رد الفعل على العدوان الذي يتعرض له البلد بالسلاح أولا وغيره من أساليب الدفاع المشروع. وبذلك تكون المقاومة هي الجهاد بالمعنى الخاص. وعلى الرغم من كون الجميع يقاوم حسب مرجعياته الفكرية والدينية والاجتماعية فان المقاومة تشترك في الشكل والاسلوب، الا انها تختلف حسب الخلفيات فعند غير المسلمين تعني تحرير البلد والشعب من المحتل، وعند المسلمين هي جهاد يثاب من قام به وياثم من تركه.

يرى جمهور الفقهاء ان الجهاد بمعنى القتال ودفع العدو فرض عين على كل قادر، ويرى آخرون انه فرض كفاية. و الواقع انه فرض عين مخفف بعد نزول الاية: وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. ١٢٢ سورة التوبة

من المعلوم ان الجهاد فرض على المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة بعد نزول قوله تعالى:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير* الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّه ُوَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ في الأرض أَقَامُواْ الصّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور} (39ـ41).سورة الحج.

كيف واجه الموريتانيين نازلة الاستعمار الفرنسي:

لم يواجه الموريتانيون الاستعمار من منطلق انه مجرد غزو خارجي جاء ليحكم البلاد و ينهب ثرواتها فحسب، بل واجهوه من منطلق واجب شرعي في الدفاع عن الأرض والعرض و المال والنفس، باعتباره كافر مخالف في الدين لا ينبغي أن يحكم بلاد المسلمين.
ومع أن البلاد لم تشهد حكما مركزيا جامعا وتوزعت إلى امارات ومشيخات، الا انها ظلت موحدة في الدين والمذهب والعقيدة وارتبطت جميع جهاتها بعلاقات وانصهر بعضها في بعض، بل لم تكن هناك حدود واضحة بين الإمارات، الأمر الذي يجسد شكلا من الوحدة في الواقع، بل إن هذا الواقع هو المآل المقصود من الوحدة. وقد كان في كل إمارة أو مشيخة أو جهة علماء كبار يشكلون مرجعيات وطنية مهمة.

وعلى الرغم من محاولات توحيد بعض الامارات في مؤتمر تندوجة ١٨٥٦ الذي دعى له الشيخ سيديا الكبير، والذي اغضب الحاكم الفرنسي في السينغال فيديرب واعتبره نجاحا كبيرا للامير محمد لحبيب. ظلت الامارات منفصلة ولم تتوحد في كيان واحد وان كانت على تواصل وتنسيق.

ومع مطلع القرن العشرين قررت فرنسا الاستعمار الفعلي لموريتانيا، وبدأت استغلال اتصالاتها السابقة مع بعض المرجعيات والتي عملت على تطويرها والحفاظ عليها لاستثمارها في الوقت المناسب للسيطرة على البلاد.

اراء العلماء الموريتانيين في نازلة الاستعمار:
على الرغم من وعي الجميع خاصة في منطقتي اترارزة و البراكنة بحتمية احتلال البلاد من قبل فرنسا لما سبق ذلك من تنسيق ورحلات وزيارات الا ان العلماء و المرجعيات اختلفوا في كيفية التعامل مع الاحتلال و كيفية مواجهته.
فذهب بعضهم إلى وجوب الهجرة والجهاد، وذهب آخرون تبعا لما يمليه الواقع والمصلحة إلى جواز التعامل معهم ومعايشتهم، وحشد كل أدلته محاولا دحض حجة خصمه وإقامة الحجة على ما ذهب إليه، فألفوا التآليف ونظموا الأنظام و القصائد، و من ذلك:
رسائل الشيخ سيدي باب: الجواب المحتوم للمنكر علينا في أمر الروم
ونصيحة العامة والخاصه في التحذير من محاربة افرانصه للشيخ سعد أبيه
وهداية من حارا في أمر النصارى للشيخ ماء العينين
وقصيدة ابن ما يابى وتآليف غيرهم.

اذا انقسمت المدارس أو الفتاوي إلى ثلاث مدارس.
و كما أشرنا في تعريف الجهاد شرعا و ان مفهومه اوسع من مجرد القتال فان هذه المدارس وان اختلفت في مواجهة العدو المخالف في الدين فإنها لم تختلف في ضرورة الحفاظ على ثقافة وقيم و دين المجتمع.

المدرسة الأولى: تمثلها فتوى الشيخ سيديا باب والشيخ سعد بوه والتي ترى المهادنة ومعايشة المستعمر لأنه سيوفر الأمن و ينظم أحوال الناس ولن يتعرض لهم في شؤون دينهم وبان مقاومته مستحيلة لعدم القدرة وبان واقع البلد يحتاج لسلطة قاهرة تنظمه.

الثانية: ترى أن البقاء تحت حكم الكافر و المخالف في الدين غير جائز و مواجهته مستحيلة لفارق القوة و ان الحل الوحيد هو الهجرة إلى بلاد المسلمين الأخرى، وقد مثلها بعض علماء المناطق الشرقية.

الثالثة: هي المدرسة التي مثلتها فتوى الشيخ ماء العينين والتي اعتمدت على الكثير من الحجج منها ايات الجهاد السابقة الذكر، وبكون الجهاد هو ذروة سنام الدين. ومن الاحاديث

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ؛ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1272- وَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ.

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

هذا فضلا عن وجوب الجهاد في حالة تعرض ارض المسلمين لكافر مخالف في الدين بغرض الاحتلال وبأنه لا حجة لمسلم بعد ذلك، كما أشار إلى أن عدم القدرة وتوازن القوى لم يكن في يوم من الأيام مدعاة لترك الجهاد ودفع العدو واستدل بحال المسلمين يوم بدر وحال قريش من حيث العدد والعدة والمؤن وغير ذلك.

لقد شكلت هذه الفتوى المرجعية الدينية للمجاهدين الذين هبوا من كل جهة من جهات الوطن للدفاع عن الأرض و النفس والعرض ضد المحتل، وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهت هذه الجبهة الا انها استطاعت أن تقود مقاومة متميزة ليس على مستوى موريتانيا وحدها بل على مستوى المستعمرات الفرنسية الاخرى، وما استدعاء الجنرال كورو من سوريا لاخضاع ادرار الا دليلا قويا على تميز المقاومة الوطنية، هذا فضلا تحقق ما لم يتحقق في الكثير من البلدان(قتل الحاكم الفرنسي)، وقد قدمت المصادر الفرنسية قبل المحلية تقارير وافية عن المعارك و تحركات المقاومين وتحالفاتهم و مصادر تسليحهم…..

ويمكن تلخيص أهم مميزات الجهاد في موريتانيا ضد الاستعمار فيما يلي:

١. كل أمراء البلاد قاوموا وقاتلوا المستعمر و لم يهادن منهم اي احد على الرغم من الإغراءات والمضايقات.
٢. وحدة الجهاد في عموم البلاد وكلما سقطت قلعة التحق المقاومون بأخرى.
٣. على الرغم من اختلاف الآراء في موضوع الاستعمار ظل الجميع منسجما في مقارعة المحتلة حسب الحال والأسلوب.
٤. شمولية المقاومة ابتداء من الرفض الشعبي والثقافي إلى المواجهة بالسلاح.
٥. مشاركة كل الفئات و المجموعات في مقاومة المحتل.

د. اعلي ولد المحجوب عضو المكتب التنفيذي للرابطة الوطنية لتخليد بطولات المقاومة.

عن SAID

شاهد أيضاً

قصة سيدة تائبة تشرح للفقيه كيف سحرة زوجها بنواانواكشوط

قصة سيدة تائبة تشرح للفقيه كيف سحرة زوجها بنواانواكشوط شف مصدر مطلع النقاب عن قصة …